أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
240
التوحيد
فزعهم عن اسمه إلا لعظيم الوعيد في ذلك ، وإلا التسمية إذ ألم لنفع يرجى أو لضرر يتقى ، فكانت من المسمين بها إباحة إن ساءت أو حسنت إذا لم تكن يجب بحسنها حسن أو قبح ، ولا قوة إلّا باللّه . فدخل تسمية الشرك والكفر فيما مر بيانه ، ومن حقق له اسم النفاق فلمخالفة ما أعطى بلسانه من الإيمان وتعاهد حدوده وحفظ حدود اللّه ما ظهر بأفعالهم ، وبذلك قال اللّه تعالى : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ [ العنكبوت : 11 ] ، وقال : ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 1 - 2 ] ، أخبر ببيان ما أعطته الألسن من الصدق والكذب بالمحنة . وكذا روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ثلاث من كن فيه فهو منافق : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » « 1 » . فقد ظهر له ذلك كله من مرتكبي الكبيرة ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتجت المعتزلة في الاسم بما سمي صاحب الكبيرة بأسماء خبيثة ، والإيمان من الأسماء الطيبة لا يسمى به ، مع ما جاء من الوعد باسم الإيمان ، والوعد لا يحتمل الخصوص ، ثم صاحب الكبيرة قد جاء فيه الوعيد ، فبطل أن يكون مؤمنا ولم يسم به كافرا بما لم يرد به التسمية ، فسمى به الذي أجمع أنه له اسم وهو الفسق والفجور والظلم . ثم لهم في الوعيد أمران : عموم أخباره ، والثاني قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] ، بيّن ما لا يغفر ويغفر ، مع ما كان الوعيد بالتخليد أعظم في المنع وأبلغ في الزجر فهو أحق ، على أن الوعيد إذا وجب لزم دخول النار ، ولم يذكر فيهم الخروج ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : نقول وباللّه نستعين : أجمع هو لا على اختلافهم أن الوعيد مما لم يشرك فيه المؤمنين ، بل هو في كل ذنب أخرج صاحبه عن الإيمان وأسقط عنه اسمه . والمرجئة توافقهم أن كل ذنب يخرج صاحبه عن الإيمان ، فالوعيد له لازم . ثم إن المرجئة تخاف على المؤمنين فيما ارتكبوا من المأثم مع قيام الإيمان بالعقوبة ، وأولئك لا يخافون عليهم ، وكان احتجاجهم بعموم الآثار ، فثبت بالذي ذكرت من قول الجملة أن المرجئة ، وهي التي أرجأت الذنوب ، أشد استعمالا لها على العموم من الذين ادعوا عمومها ؛ إذ هم عند التحصيل جعلوا الوعيد في أحد فريقي البشر ، وهم الذين ليسوا بمؤمنين ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان والذي جرى به من اللسان أن
--> ( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن خطاب . . ، حديث رقم ( 257 ) [ 1 / 490 ] والنسائي في السنن الكبرى ، حديث رقم ( 11754 ) [ 6 / 535 ] ورواه غيرهما وروى البخاري ومسلم نحوه بلفظ : « آية المنافق ثلاث من . . » الحديث .